• Home  
  • هل حقاً ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟
- سوريا - سياسة

هل حقاً ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟

أثارت دعوة أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى حل نفسها، جدلا واسعا بين أوساط من السوريين، وخاصة الإسلاميين، بالنظر إلى توقيت الدعوة، ودلالاتها، والرسائل التي تحملها.إضافة إلى أنها تلاقي دعوات للحل، تزايدت في الآونة الأخيرة من داخل الجماعة وخارجها. إلى جانب المطالب بضرورة قيامها بمراجعة شاملة […]

أثارت دعوة أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى حل نفسها، جدلا واسعا بين أوساط من السوريين، وخاصة الإسلاميين، بالنظر إلى توقيت الدعوة، ودلالاتها، والرسائل التي تحملها.إضافة إلى أنها تلاقي دعوات للحل، تزايدت في الآونة الأخيرة من داخل الجماعة وخارجها. إلى جانب المطالب بضرورة قيامها بمراجعة شاملة للفترة السابقة، الأمر الذي أثار انقسامات داخل صفوفها، وأفضى إلى انسحاب عدد من قيادات الجماعة من التنظيم، وأبرزهم ملهم الدروبي.

التوقيت والحيثيات

الأساس الذي بنيت عليه دعوة الحل هو التضحية بالكيان التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا لصالح مشروع الدولة الجديدة والسياسة التي تنتهجها قيادتها، واعتبار أن تمسك الجماعة بشكلها التنظيمي الحالي يضر بمصالح البلاد، ويعزلها عن الوضع السوري الجديد، حيث إن “إصرار الإخوان على البقاء مغردين خارج السرب، مع تصريحات هنا وهناك تلمح إلى عدم رضاهم عما يجري، يزيد من الشقة والفجوة مع الشارع الداعم للحكومة”.

فضلا عن مسوغات أخرى، تتعلق ببعدها عن المجتمع السوري، نظرا لاضطرار أعضائها إلى الفرار من سوريا منذ ثمانينيات القرن الماضي.

غير أن ثمة أسبابا وحيثيات عديدة تقف وراء دعوة زيدان، أهمها:

أولا: جاءت دعوة زيدان إلى حل الجماعة في توقيت خاص، وذلك بعد أسابيع قليلة من تعيينه في منصبه الاستشاري الرسمي، الأمر الذي يكسبها طابع رسالة سياسية واضحة من السلطة السورية الجديدة إلى الجماعة الإخوانية بألا تعاود العمل داخل سوريا في المرحلة الانتقالية، التي تستلزم وقوف الجميع إلى جانب القيادة الجديدة من أجل تعافي البلاد، وإعادة إعمار ما دمره نظام الأسد البائد.

ثانيا: تلاقي الدعوة مسعى السلطة الجديدة الرامي إلى حل كافة الأحزاب والتشكيلات السياسية والعسكرية، وبما يتسق مع إعلان 18 فصيلا عسكريا حل نفسها، بما فيها هيئة تحرير الشام، في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2024، والانضمام إلى وزارة الدفاع.

إضافة إلى وقف العمل بالدستور، وحل مجلس الشعب، وحل حزب البعث، ثم جرى حل كل من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والمجلس الإسلامي السوري.

ثالثا: تريد السلطة السورية الجديدة ملاقاة الاحتضان العربي الخليجي لها عبر منع نشاط الجماعة المحظور في عدد من تلك الدول. ويذهب بعضهم إلى اعتبار أن منع تنظيم الإخوان المسلمين من العمل في سوريا، هو أحد شروط بعض الدول الخليجية مقابل احتضانها السلطة الجديدة ودعمها.

رابعا: يمكن اعتبار دعوة الحل بمثابة رد على بيان مجلس الشورى في الجماعة الذي نشر 7 أغسطس/آب الجاري، وأكد فيه أن خيار الحل غير مطروح، وأنها “ستبقى كما عهدها الشعب السوري جماعة سورية وطنية، مستقلة بقرارها، تسير في نهجها الإسلامي الوسطي”، لكنه لم يَتخذ قرارا بالعودة إلى العمل داخل سوريا، وباتت العودة مؤجلة، ولن تحدث في المدى المنظور.

كان بيان مجلس شورى الجماعة قد أكد موقفها الداعم الناصح الأمين، الحريص على إنجاح عملية بناء الدولة المدنية الحديثة بمرجعية إسلامية، وأنها ستبقى دائما تسدد وتقارب، وتتلمس سد الثغرات، إنجاحا للثورة ومبادئها في بناء دولتنا الوليدة.

لكنه اعتبر أن “الاستقرار يسهل نيله بإشراك جميع المكونات السورية بشكل فعال في تنمية وبناء الدولة ضمن برنامج سياسي تعددي، وأن استشعار الأطراف السورية اليوم واطمئنانها أن الدولة- بعد المرحلة الانتقالية- تبنى على أسس تشاركية تمثيلية، وانتخابات نيابية تعددية حرة، عامل هام في تثبيت الاستقرار”.

يمكن اعتبار البيان بمثابة الرد على دعوات بعض الأصوات داخل الجماعة نفسها لحلها أو تغيير الاسم والتنظيم، لكن دعوة زيدان لا تدخل في باب الدعوة الصادرة من البيت الإخواني الذي كان يستظل فيه، حين كان عضوا سابقا فيها، وذلك على الرغم من اعتماده مقاربة عرض فيها تجارب أخرى للإخوان المسلمين ولجماعات إسلامية أخرى قدمت فيها المصالح الوطنية على المصالح الحزبية والتنظيمية، مثلما حدث مع جماعة الإخوان المسلمين نفسها إبان فترة وحدة سوريا مع مصر 1958.

كما حل الإخوان المسلمون أنفسهم في العراق، وكذلك في قطر، وغيروا اسمهم ثم تنظيمهم في المملكة المغربية. إضافة إلى تجارب حسن الترابي في السودان، وراشد الغنوشي في تونس، و”جبهة العمل الإسلامي” في الأردن وسواهم.

غير أن السؤال المطروح هو هل تستجيب جماعة الإخوان المسلمين في سوريا لدعوات حل نفسها؟

مسار الجماعة

يشير تاريخ الجماعة إلى مسار متعرج عرفته منذ نشأتها، وشهد تقلبات، وتحديات، وتحولات عديدة طرأت على مواقفها وأطروحاتها، وطرحت مؤخرا مجموعة من الأسئلة والتساؤلات بخصوص مستقبل الجماعة ومصيرها في المرحلة المقبلة، بعد أن باتت محظورة في معظم الدول العربية.

تمتلك جماعة الإخوان المسلمين في سوريا سجلا حافلا بالأحداث والمنعرجات، التي ميزت مسيرتها منذ أن أسسها مصطفى السباعي 1954، إثر انضمام عدة منظمات خيرية، ذات برامج اجتماعية، ركزت فيها على التعليم والخدمات الصحية في المدن السورية الكبرى.

وحققت نجاحا سياسيا نسبيا، عندما حصلت على بعض المقاعد في البرلمان السوري في الفترة بين 1946 و1958، وقامت بحل نفسها إبان فترة الوحدة السورية المصرية، لكنها عادت إلى الوجود مجددا بعد الانفصال عن مصر، وجرى حظرها من قبل قادة انقلاب حزب البعث، الذين استولوا على السلطة في سوريا 1963.

وبالافتراق عن موقف قيادات الجماعة، قام مروان حديد بقيادة أول تمرد مسلح ضد سلطة البعث القمعية 1976، حين أسس “كتائب محمد”. وفي نهاية سبعينيات القرن الماضي، تشكلت “الطليعة المقاتلة”، التي قادت تمردا على نظام حافظ الأسد الاستبدادي، ورد عليه الأسد بإصدار المرسوم رقم 49 في 1980، الذي يقضي بإعدام أي عضو من جماعة الإخوان المسلمين.

وارتكب نظام الأسد مجازر مروعة في مدينتي حماة وحلب. ثم حاولت الجماعة التفاوض مع النظام بعد توريث الحكم لبشار الأسد، لكن النظام رفض رفع الحظر عنها وأبقى على القانون 49.

قامت جماعة الإخوان المسلمين بمراجعات تكللت بإصدارها “مشروع ميثاق الشرف الوطني للعمل السياسي في سوريا” 2001، أكدت فيه التزامها بالحوار الوطني وبالأدوات السياسية الديمقراطية كوسيلة للعمل، ورفضها أعمال العنف.

ثم أصدرت “المشروع السياسي لسوريا المستقبل” في 2003، قدمت فيه رؤيتها للدولة والمؤسسات، والتحديات الوطنية، وسبل الإصلاح السياسي والاقتصادي.

في 2005 انضمت الجماعة إلى قوى “إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي”، الذي وحد صفوف المعارضة السورية ضد نظام الأسد، لكنها سرعان ما انضمت إلى “جبهة الخلاص الوطني” التي قادها عبدالحليم خدام نائب بشار الأسد بعد انشقاقه 2006، ثم انسحبت منها من أجل جهود تفاوض مع النظام قادها ساسة أتراك في ذلك الوقت.

انتعشت جماعة الإخوان المسلمين بعد اندلاع الثورة السورية منتصف مارس/ آذار 2011، ولعبت دورا هاما في تشكيلات المعارضة السورية، سواء المجلس الوطني السوري، الذي تشكل في بداية أغسطس/آب 2011، أو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة 2012، وهيئة التفاوض السورية.

وساهمت جماعة الإخوان المسلمين في العمل العسكري، حيث أعلنت الجماعة إنشاء مجموعة عسكرية تحت اسم دروع مجلس الثورة أو “هيئة دروع الثورة”، من أجل حماية المدنيين. كما دعمت عددا من الفصائل العسكرية المعارضة.

فتح النوافذ

شكلت الثورة السورية فرصة لجماعة الإخوان المسلمين كي تلعب دورا كبيرا في صفوف المعارضة السياسية والعسكرية، لكنها بقيت أسيرة الخلافات والتجاذبات مع قوة المعارضة الأخرى، فأصاب تشكيلات المعارضة الشلل لاعتبارات كثيرة.

لذلك لم تتمكن من تحقيق الشعارات التي كانت ترفعها، وفوجئت بالتغير الدراماتيكي والتقدم السريع الذي أحرزته فصائل “ردع العدوان” بقيادة “هيئة تحرير الشام”، وأفضى إلى إسقاط نظام الأسد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

ليس هناك أي مؤشر على أن جماعة الإخوان المسلمين ستحل نفسها في المدى المنظور، وذلك على الرغم من ضعف ارتباطها بالداخل السوري، ومن سعي السلطة الجديدة للسيطرة على مفاصل الحكم، بعيدا عن الأحزاب والقوى السياسية.

وإن كان الائتلاف الوطني لقوى الثورة ومخرجاته قد حل نفسه، فذلك لأنه تشكل في ظروف معينة، ومن أجل غاية انتهت بسقوط نظام الأسد، والأمر نفسه ينسحب على المجلس الإسلامي السوري، لكنه يختلف في حالة الأحزاب السياسية، كون معظمها تشكل قبل نظام الأسد، وهي عميقة الجذور في المجتمع السوري، لذا فإن حلها يعني حرمان السوريين من نافذة هامة في التنظيم والتعبير.

ولعل المطلوب بعد إسقاط نظام الأسد فتح مزيد من النوافذ أمام جميع السوريين، وعدم تركهم يقبعون خلف أبواب الطوائف المنغلقة على نفسها.

تجادل السلطة الجديدة بأن المرحلة الانتقالية تتطلب الانسجام في القيادة ووحدة الصف، لذلك تعمل على حل التشكيلات العسكرية، وتريد حل الأحزاب السياسية.

وإن كان ما تجادل به يمتلك وجاهة على الصعيد العسكري، لما يقتضي من توحيد السلاح وحصره بيد الدولة، ومنع استمرار ظاهرة انفلاته، تماشيا مع حق الدولة باحتكار وسائل العنف، إلا أنه على الصعيد السياسي يختلف كثيرا، حيث لا يوجد ما يمنع انخراط السوريين في الحياة السياسية وفق قانون أحزاب جديد.

حيث من المفترض أن تصون الدولة الحقوق السياسية، تلك التي تمنح المواطنين القدرة على المشاركة في الحياة السياسية والمدنية للمجتمع والدولة، دون إكراه أو خوف أو تمييز، وتضمن حقهم في التصويت الانتخابي والانضمام إلى الأحزاب السياسية.

تسهم الحياة السياسية في تمتين وحدة البلاد، وتشجع الناس على التعبير عن مطامحهم وتطلعاتهم، والأهم هو ضمانها مشاركتهم في بناء مستقبل بلادهم، خاصة أن العمل السياسي سلمي الطابع، تعتمد فيه الأحزاب والتيارات السياسية على طرح برامجها ورؤيتها التي تحاول الاقتراب من مصالح وهموم الناس، ويرتقي عملها السياسي بالانتماء الفردي إلى المستوى المدني، متجاوزا مختلف الانتماءات ما قبل المدنية.

من حق السوريين تشكيل الأحزاب للتعبير عن آرائهم السياسية، وينبغي عدم النظر إليهم بوصفهم كائنات مناطقية أو إثنية، أو طائفية، بل كائنات سياسية أيضا.

ولعله من واجب الدولة ضمان كافة أشكال التعبير عن الرأي، وتنظيم الحياة السياسية والحريات العامة وفق القانون، وذلك كي تتحقق مقولة إن سوريا دولة القانون، حسبما قال الرئيس الشرع نفسه في أكثر من مناسبة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة نيوز عربي.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: [email protected]

رقم الهاتف: +5-784-8894-678