الفاشر – تشهد مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، تصاعدا داميا في أعمال العنف، وسط تقارير ميدانية توثق ارتكاب قوات الدعم السريع وفصائل مسلحة متحالفة معها انتهاكات خطيرة بحق المدنيين الفارين من أهوال الحرب.
وتتمحور هذه الانتهاكات على الطريق الواصل بين الفاشر ومدينة طويلة، الذي بات يُعرف بـ”طريق الموت”، في ظل انعدام الحماية الأمنية وتراجع الاستجابة الإنسانية لاحتياجات الفارين والمنكوبين.
ويمتد الطريق بين الفاشر وطويلة لمسافة 68 كيلومترا غربا، ويعتبر المنفذ الوحيد المتاح أمام آلاف المدنيين الباحثين عن مأوى آمن من القصف والحصار المفروض على المدينة منذ 10 يونيو/حزيران 2024.
وتقع مدينة طويلة تحت سيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، وقد أعلنت موقفا محايدا من الحرب، مما جعلها وجهة مفضلة للنازحين، غير أن هذا الطريق الذي كان يُنظر إليه سابقا كملاذ آمن، تحول إلى فخ قاتل نتيجة انتشار نقاط التفتيش وعمليات القتل الميدانية.
مشاهد مرعبة
وتُظهر مقاطع فيديو تداولها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عناصر ترتدي زي قوات الدعم السريع وهي تطلق النار مباشرة على مدنيين عزل، في مشاهد تعكس حالة من الذعر، وتؤكد استخدام القوة المفرطة ضد السكان حيث تُتهم هذه القوات بارتكاب عمليات قتل ميداني بحق الفارين، تحت ذريعة تعاونهم مع الجيش أو انتمائهم لما يُعرف بـ”الفلول”.
من جانبه، قال العقيد أحمد حسين مصطفى، الناطق العسكري باسم القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، في تصريح خاص للجزيرة نت، إن “مليشيات الدعم السريع الإرهابية، بعد أن فقدت السيطرة على بعض المحاور، لجأت إلى نمط متكرر من التصفيات الميدانية، غالبا بطابع عرقي، كما حدث سابقا في الجنينة، وها هو يتكرر الآن على طريق طويلة، وسط صمت دولي مريب”.
وفي سياق متصل أعربت تنسيقية المقاومة الشعبية بالفاشر عن قلقها البالغ إزاء ما وصفته بـ”المجازر الصامتة” على الطريق الرابط بين الفاشر وطويلة.
وأشار البيان الصادر عن التنسيقية إلى العثور على عشرات الجثث لمواطنين لقوا حتفهم عطشا وجوعا، وأغلبهم نتيجة للقتل العمد فقط لانتمائهم لمدينة الفاشر، كما وثقت التنسيقية أكثر من 200 حالة اختفاء قسري، وسط غياب أي تدخل دولي فعال.
وعن ذلك، يؤكد محمد حسن محمد، عضو تنسيقية لجان مقاومة الفاشر، أن ما يجري على الطريق الرابط بين الفاشر وطويلة “جريمة إبادة تُنفذ في صمت”. مشيرا، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن التنسيقية ترصد بشكل يومي حالات تصفية ميدانية واختفاء قسري بعضها داخل مخيمات النازحين مثل أبو شوك وأخرى على طول الطريق.
ويضيف المتحدث ذاته أن هذه الانتهاكات تُمارس على أساس الهوية العرقية والجغرافية، بعيدا عن أي رقابة أو مساءلة. وأوضح أن الطريق الذي كان يُنظر إليه كملاذ للناجين، تحول إلى ممر للموت، في ظل ظروف إنسانية قاسية وانعدام كامل لضمانات المرور الآمن، مضيفا أن “الناس يُقتلون بلا مقاومة، وبلا سلاح، وبلا سبب واضح”.
معاناة الوصول
وروت إحدى الأسر التي وصلت مؤخرا إلى مدينة طويلة رحلتها المحفوفة بالخوف والجوع، مبينة في حديثها للجزيرة نت أن الرحلة استمرت أكثر من يومين سيرا على الأقدام وسط تضاريس وعرة.
وقال أحد أفراد الأسرة، إنهم اضطروا لتغيير مسارهم عدة مرات لتفادي نقاط انتشار قوات الدعم السريع، مضيفا “كنا نختبئ بين الأشجار كلما اقتربت مركبة، أما الأطفال فكانوا يبكون من الجوع والخوف، ولم يكن معنا سوى القليل من الماء وبعض أعلاف الحيوانات التي اقتسمناها للبقاء على قيد الحياة”.
وأضافت الأم أن الطريق كان أشبه بممر للموت، حيث صادفوا جثثا مرمية على جانبي الطريق، بعضها بدا أنه تعرض لتصفية ميدانية، إلى جانب متعلقات شخصية تركها أصحابها لعجزهم عن حملها بسبب الإنهاك والجوع.
وقالت “كنا نعلم أن الوصول إلى طويلة ليس مضمونا، لكن البقاء في الفاشر كان يعني موتا حتميا”، مؤكدة أن الوصول إلى طويلة لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية رحلة جديدة من الألم والبحث عن مأوى وأمان.
توثيق أممي
وفي تطور لافت، وثقت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 125 مدنيا في منطقة الفاشر، شملت عمليات إعدام بإجراءات موجزة، مرجحة أن يكون العدد الفعلي أعلى من ذلك، وذكرت المنظمة الدولية في بيان صادر عنها أمس أن الفاشر تخضع لحصار خانق منذ أكثر من 500 يوم، وشهدت الأسابيع الأخيرة قصفا شبه متواصل وغارات دامية على مخيم أبو شوك للنازحين.
وتشير مصادر محلية إلى أن مدينة طويلة استقبلت خلال الأيام الماضية عددا من الناجين، بعضهم فارق الحياة نتيجة التعذيب الوحشي، فيما لا يزال مصير المئات مجهولا.
وقال أبوبكر أحمد إمام، الناطق الرسمي باسم المقاومة الشعبية، إن عشرات المواطنين استجابوا لدعوة أطلقها عضو مجلس السيادة السابق الهادي إدريس، الذي ناشد سكان الفاشر بمغادرة المدينة نحو مناطق أكثر أمنا، وعلى رأسها مدينة طويلة.
وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن من خرجوا بحثا عن النجاة ما زال مصيرهم مجهولا، ولا يُعرف إن كانوا في عداد المفقودين أم الموتى.
وأشار إمام إلى أن المقاومة الشعبية وثقت حالات اختفاء قسري على طول الطريق، إلى جانب مقاطع فيديو بثتها المليشيات المسلحة تظهر عمليات تعذيب وتصفيات ميدانية بحق مدنيين عزل.
وقال “ما يُعرض من مشاهد مؤلم ومهين للكرامة الإنسانية، كما أنه يكشف عن نمط انتقامي ممنهج يستهدف المدنيين على أساس عرقي وجغرافي، وهو مؤشر خطير على أن ما يحدث تجاوز حدود الحرب إلى جرائم تطهير عرقي”.
وأكد إمام أن المقاومة الشعبية تواصل توثيق هذه الانتهاكات بالتعاون مع جهات حقوقية مستقلة، وتطالب بفتح تحقيق دولي عاجل في ما وصفه بـ”الاستهداف المنظم للمدنيين على الطريق الرابط بين الفاشر وطويلة”.
وسط تصاعد الانتهاكات وتزايد أعداد الضحايا، يبقى المدنيون في الفاشر وطريق طويلة عالقين بين نيران الحرب وصمت العالم، فيما تتراكم الشهادات والمشاهد المروعة، مع غياب أي تحرك دولي فاعل لوقف هذه المأساة المستمرة.