تشير العمليات الميدانية التي نفذها الجيش اللبناني في الأسابيع الأخيرة إلى حجم التحديات الثقيلة الملقاة على عاتقه. فبينما كان يودّع جنديين قضيا خلال محاولتهما تفكيك طائرة مسيّرة إسرائيلية سقطت في الجنوب، كانت وحدات أخرى تتسلّم أسلحة وعتادًا من داخل المخيمات الفلسطينية، فيما انتشرت قوات إضافية على الحدود مع سوريا وضبطت معملاً لتصنيع المخدرات، بالتوازي مع تعزيز انتشارها جنوب نهر الليطاني.
وفي هذا السياق، شدّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الجمعة، على أنّ المؤسسة العسكرية تتحمّل مسؤوليات كبيرة في مرحلة دقيقة تتطلب تنفيذ مهام حساسة، مؤكداً أنّ الجيش سيتخذ كل الإجراءات اللازمة لإنجاح مهامه مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي. وقد ترأس العماد هيكل اجتماعًا استثنائيًا في اليرزة، جمع أركان القيادة وقادة الوحدات والأفواج العملانية وعدداً من الضباط، لمناقشة التطورات الأمنية الراهنة في ظل الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.
ويضم الجيش اللبناني نحو 75 ألف عنصر ينتشرون على مختلف الأراضي اللبنانية، بما في ذلك الحدود الشمالية والشرقية والجنوبية. ويؤكد مصدر عسكري لـ«نيوز عربي» أنّ مهامهم تتنوع بين الحفاظ على الأمن الداخلي، ملاحقة المخلّين وتجار المخدرات، مكافحة الإرهاب، منع التهريب والتسلل غير الشرعي عبر الحدود، إضافة إلى تعزيز الانتشار في قطاع جنوب الليطاني.
في المقابل، وجد الجيش نفسه في مواجهة ما يشبه «كرة لهب» ألقتها السلطة السياسية في ملعبه، تشمل ملفات شائكة مثل سحب سلاح «حزب الله»، ضبط الحدود مع سوريا، جمع السلاح من المخيمات الفلسطينية، وملاحقة شبكات المخدرات. هذه المسؤوليات المتراكمة جعلت المؤسسة العسكرية محور اهتمام المجتمع الدولي، وهو ما انعكس في «الورقة الأميركية» الأخيرة والمساعي الفرنسية المتواصلة لدعم الجيش.

وبعدما نصت الورقة الأميركية التي حملها الموفد توماس براك إلى بيروت، على تمويل سنوي يناهز مليار دولار لتجهيز الجيش وقوى الأمن، بموازاة توسيع وجود الجيش إلى 33 موقعاً و15 حاجزاً إضافيّاً في الجنوب، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، إن بلاده عازمة على عقد مؤتمرين بحلول نهاية العام، أحدهما لدعم الجيش اللبناني، الذي وصفه بأنه «الركيزة الأساسية لسيادة البلاد»، والآخر للتعافي وإعادة الإعمار.
وأوضح ماكرون أنه حث الحكومة اللبنانية على اعتماد خطة حصر السلاح بيد الدولة التي ستُعرض على مجلس الوزراء لهذا الهدف، وذلك خلال اتصالَين هاتفيَّين مع الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام. وأضاف ماكرون عبر منصة «إكس» أنه سيرسل مبعوثه الشخصي إلى لبنان للعمل مع السلطات بشأن الأولويات فور اعتماد الحكومة خطة حصر السلاح.
Je me suis entretenu avec le Président du Liban, Joseph Aoun, ainsi qu’avec le Premier ministre, Nawaf Salam.Le mandat de la FINUL, où la France est pleinement engagée, vient d’être renouvelé à l’unanimité : c’est un message important et nous nous en sommes félicités….
— Emmanuel Macron (@EmmanuelMacron) August 28, 2025
ويسعى مؤتمر دعم الجيش لتأمين مساعدات تتيح زيادة عديد الجيش، ورفع مستوى تجهيزاته وتقويته بما يمكنه من تنفيذ مهامه، فضلاً عن دعم التقديمات لعناصر الجيش وتأمين استمراريتها، وذلك بعد سنوات من معاناة العسكريين جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعانيها لبنان.
تحديات متزايدة
ورغم هذا الاهتمام الدولي بدعم المؤسسة العسكرية، والتعويل الواسع على دورها، فإنها تزيد من حجم التحديات المترتبة عليه، ذلك أن الجيش اللبناني بات مركز الاهتمام الدولي لتثبيت الاستقرار في البلاد، وتطبيق التحولات السياسية والأمنية، علماً بأن الأفرقاء كافة يجمعون على توفير الدعم السياسي المحلي الكامل للجيش، وعلى ضرورة دعمه في مهامه.
ويترقب لبنان الخطة التطبيقية التي يعدّها الجيش لقرار حصرية السلاح في لبنان، والتي ستُعرض على مجلس الوزراء في 2 سبتمبر (أيلول) المقبل، وسط تأكيدات حكومية لـ«الشرق الأوسط» بأن الخطة ستكون «تحت سقف عدم التصادم»، في وقت يستمر فيه الجيش بمهامه في الجنوب، حيث ينتشر حالياً في قطاع جنوب الليطاني نحو 7000 عنصر من الجيش اللبناني، وهو عدد قابل للارتفاع مستقبلاً وفق قرار مجلس الوزراء لرفع عديد الجيش في الجنوب بعد اتفاق وقف إطلاق النار، حسبما يؤكد مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط».
جنوب الليطاني
بالموازاة، تعمل الوحدات العسكرية على جمع الذخائر من مخلفات الحرب، رغم المخاطر المترتبة عليها.
ويقول مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط» إن خبراء الذخائر والمتفجرات في فوج الهندسة «يقومون بمعالجة هذه الذخائر وفقاً للتعليمات النافذة بهذا الخصوص مع ضرورة التشديد على تطبيق تدابير الحيطة المطلوبة، ووفقاً لتقدير الخطورة من قِبَل الخبير ومدى قربها من المناطق السكنية»، وذلك ضمن أولويات «ضمان حيطة المواطنين والعاملين في مجال معالجة مخلفات الحروب نظراً للمخاطر العالية لها وتأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين»، و«العمل بالطاقة القصوى للتمكّن من معالجة أكبر عدد ممكن من مخلفات الحروب، وتأمين العودة الآمنة للمواطنين، ومؤازرة انتشار وحدات الجيش». وعادة ما تكون الأولوية للمناطق المستهدفة المأهولة بالسكان، ثم المناطق الزراعية المستهدفة التي يستثمرها المواطنون وخراج القرى، وصولاً إلى المناطق الحرجية.

ولا تخفي المصادر أن هناك «خطراً دائماً يتمثّل باحتمال انفجار الذخائر في أثناء التعامل معها»، وقد حصلت عدة حوادث في أثناء معالجة هذه الذخيرة أدّت إلى مقتل وإصابة عدد من عناصر من الجيش اللبناني.
الحدود مع سوريا
وإلى جانب الفصل المتصل بحصرية السلاح وضمانة الاستقرار على الحدود مع إسرائيل، نصت الورقة الأميركية على خطّة موازية لترسيم الحدود اللبنانيّة – السوريّة برّاً وبحراً، وإنشاء لجنةٍ ثلاثيّةٍ (لبنان، سوريا، الأمم المتحدة) بدعمٍ غربيّ – عربيّ، إضافةً إلى برنامجٍ مشترك لمكافحة تهريب المخدّرات، ويشمل عمليّات لبنانيّة – سوريّة مشتركة.
وتنتشر على طول الحدود اللبنانية – السورية وحدات عسكرية مختلفة، مهمتها الأساسية ضبط ومراقبة الحدود ومنع عمليات التهريب، وهي 4 أفواج للحدود البرية.
وأقفل الجيش اللبناني العدد الأكبر للمعابر غير الشرعية التي كانت موجودة على الحدود مع سوريا، معتمداً على «خطة أمنية متكاملة تشمل نشر وحدات عسكرية على امتداد الحدود، وإقامة نقاط مراقبة ثابتة ومتحركة، وتسيير دوريات راجلة ومؤللة، واستخدام تقنيات مراقبة ليلية، إضافة إلى التنسيق الدائم مع الأجهزة الأمنية المعنية»، حسبما تقول مصادر عسكرية؛ إذ «حقق الجيش نتائج ملموسة في الحد من الاتجار بالمخدرات من خلال تكثيف الإجراءات الأمنية وتعزيز المراقبة على الحدود».

وتشير بيانات الجيش إلى أنه منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فاق عدد الموقوفين الـ160 شخصاً من اللبنانيين والسوريين.
ويشير المصدر العسكري إلى أن هناك «تنسيقاً بين الجيش اللبناني وهيئة الأركان السورية لضبط عمليات التهريب عبر الحدود المشتركة من خلال مكتب التعاون والتنسيق، حيث يشهد هذا التنسيق تطوراً في مجال ضبط الحدود ومكافحة التهريب، عبر إجراءات أمنية مشتركة وزيارات رسمية. ومع ذلك، فإنّ التحديات الجغرافية والأمنية تتطلب استمرار التعاون والتنسيق بين البلدين لضمان أمن الحدود».
ويقول المصدر: «التحدي الأساسي هو الحفاظ على سيادة الدولة، ومنع أي اختراق للحدود، سواء من قبل مجموعات مسلحة، أو مهربين. لذلك، نعمل على الاستفادة من وسائل مراقبة حديثة وتقنيات رصد متطورة المتوافرة في أفواج الحدود البرية من أجل ضبط الحدود وحماية المواطنين اللبنانيين في المناطق الحدودية».
بتاريخ ٢٦ /٨/ ٢٠٢٥، وضمن إطار مكافحة المخدرات وملاحقة العصابات التي تعمل على الاتجار بها وترويجها، دهمت وحدة من الجيش تؤازرها دورية من مديرية المخابرات منازل مطلوبين في بلدة بوداي – بعلبك وضبطت معملًا لتصنيع المخدرات وكمية كبيرة من المواد الأولية المستخدمة في تصنيعها.سُلمت… pic.twitter.com/qOp4gUFRbO
— الجيش اللبناني (@LebarmyOfficial) August 26, 2025
ويقول المصدر: «التحدي الأساسي هو الحفاظ على سيادة الدولة، ومنع أي اختراق للحدود، سواء من قبل مجموعات مسلحة، أو مهربين. لذلك، نعمل على الاستفادة من وسائل مراقبة حديثة وتقنيات رصد متطورة المتوافرة في أفواج الحدود البرية من أجل ضبط الحدود وحماية المواطنين اللبنانيين في المناطق الحدودية».